حذر خالد رغدان أخصائي نفسي من المخاطر الوخيمة لظاهرة "الكبت النفسي"، مؤكدا أنها ليست دليلا على القوة أو النضج أو الصبر المطلق كما يعتقد البعض شائعا، بل هي عملية نفسية معقدة يحاول فيها الإنسان إبعاد المشاعر والأفكار المؤلمة عن وعيه، مما يؤدي إلى بقائها نشطة في الخفاء وتأثيرها السلبي المباشر على الجسد والعقل والسلوك.
وأوضح خالد رغدان أن الإنسان لا يملك القدرة على إلغاء مشاعره، بل يقتصر جهده على تأجيل مواجهتها وهنا تكمن الخطورة الكبرى. وأشار إلى أنه عند تعرض الفرد لصدمة، أو خيبة أمل، أو ظلم، أو فقد، أو عند عيشه في بيئة تقمع التعبير عن الغضب والحزن والخوف، يلجأ العقل تلقائياً لآلية الدفاع المعروفة في علم النفس باسم "الكبت" (Repression) كحماية مؤقتة من الألم، لكنها سرعان ما تتحول مع مرور الوقت إلى عبء مزمن.
وأضاف رغدان في مقال له: "الكبت يشبه تماما شخصا يغلق باب غرفة مليئة بالدخان معتقدا أن المشكلة قد انتهت، بينما الحقيقة أن الدخان يستمر في الانتشار والتغلغل داخل المنزل كله؛ فالمشاعر المكبوتة لا تموت أبداً، وإنما تغير شكلها فقط لتفرز واقعاً مرضياً جديدا".
وتابع خالد رغدان أخصائي نفسي أن هذه المشاعر الحبيسة تتحول لاحقا إلى اضطرابات متنوعة؛ مثل القلق المستمر والاكتئاب والعصبية الزائدة ونوبات الغضب غير المبررة، بالإضافة إلى الأعراض الجسدية كالأرق والصداع المتكرر والآلام العضلية واضطرابات الجهاز الهضمي وفقدان الاستمتاع بالحياة، دون أن يدرك المريض أن جذور هذه الآلام تعود لمشاعر لم تجد مساحة آمنة للتعبير عنها في حينها.
ارتباط وثيق بالاضطرابات "النفسجسدية" وتآكل العلاقات
واستند الأخصائي النفسي إلى العديد من الدراسات النفسية التي تؤكد ارتباط الضغوط الانفعالية المزمنة بارتفاع معدلات الاضطرابات "النفسجسدية" (Psychosomatic)، حيث يبدأ الجسد بالتعبير المادي عن الآلام التي عجزت الكلمات عن صياغتها ونبّه إلى أن خطر الكبت لا يتوقف عند إيذاء الشخص لنفسه، بل يمتد ليدمر علاقاته الاجتماعية؛ فالإنسان الذي يكبت حزنه يصاب بالبرود العاطفي ومن يكبت غضبه ينفجر في مواقف تافهة، بينما يؤدي كبت الخوف والاحتياجات إلى قلق دائم وشعور بعدم التقدير، مما يتسبب في تآكل العلاقات بصمت.
وشدد خالد رغدان أخصائي نفسي في حديثه على أن وجود المشاعر السلبية هو أمر طبيعي وإنساني، قائلا: "المشكلة ليست في المشاعر ذاتها، بل في طريقة تعاملنا معها؛ فالحزن والغضب والخوف كلها رسائل تحذيرية وتعبيرية تحتاج أن نَفهمها جيداً قبل أن ندفنها".
الفارق الجوهري بين الكبت والتحكم الانفعالي
ودعا خالد رغدان إلى ضرورة التفريق الدقيق بين الكبت والتحكم الانفعالي الصحي وبيّن أن التحكم الانفعالي يعني أن يشعر الإنسان بالمشاعر ويفهم أبعادها، ثم يختار الوقت والأسلوب المناسبين للتعبير عنها، أما الكبت، فهو تظاهر الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين بعدم شعوره بأي شيء، واصفاً ذلك بـ"الإنكار" الذي يمنح المشاعر فرصة للنمو في الظل حتى تصبح أقوى من صاحبها وتسيطر عليه.
خطة عمل ومقترحات لمواجهة الكبت النفسي
وفي إطار تقديم الحلول العلاجية، أكد الأخصائي النفسي أن التعافي لا يبدأ بمحاولة نسيان الألم وإنما بالاعتراف الصادق بوجوده، موضحا أن الاعتراف بالمشاعر يعني فهمها ولا يعني الاستسلام لها مطلقا واستعرض عدة وسائل علمية أثبتت فعاليتها في تنظيم الانفعالات وهي:
- تخصيص وقت دوري لمراجعة المشاعر وتقييمها بدلاً من الهروب المستمر منها.
- الاعتماد على الكتابة اليومية كأداة لتفريغ التجارب والانفعالات الحبيسة.
- التحدث والمكاشفة مع شخص آمن يجيد الإنصات العميق دون إطلاق أحكام مسبقة.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام لدوره الفعال في تنظيم مستويات التوتر.
- تعلم وتطبيق مهارات التنظيم الانفعالي وممارسات التأمل الواعي (Mindfulness).
- عدم التردد في طلب الدعم المهني من مختص نفسي فور تحول المشاعر إلى عبء يهدد جودة الحياة اليومية.
واختتم خالد رغدان أخصائي نفسي بتوجيه رسالة مجتمعية قال فيها: "إن العلاج الحقيقي لا يقوم على إخفاء الجروح بل على تنظيفها بعمق حتى تلتئم بشكل صحيح، ليس الإنسان القوي هو من يتظاهر بعدم البكاء أو التألم أو يخفي مشاعره بإتقان، بل القوي حقا هو من يمتلك الشجاعة الكافية لينظر إلى ألمه بصدق ويفهم رسالته، ثم يحوله إلى نقطة انطلاق نحو حياة أكثر اتزانا وصحة، تذكروا دائما أن المشاعر التي نعبر عنها بطريقة صحية تتحول لخبرة نتعلم منها، أما التي نكبتها فإنها تعود إلينا بصورة أكثر إيلاما".