نستيقظ أحيانا في منتصف الليل على نبضات قلب متسارعة وأنفاس متلاحقة وشعور بالخوف، بينما تظل تفاصيل الحلم عالقة في ذاكرتنا، إنها الكوابيس التي نعتقد غالبا أنها مجرد نتاج للخيال أو انعكاس للضغوط اليومية.
وفي هذا السياق، أكد د. محمود رفعت رشوان، مدرس التغذية وعلوم الأطعمة بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس، أن الطعام لا يسبب الكوابيس بشكل مباشر، موضحا أن تأثير وجبة العشاء والكافيين يرتبط أساسا بجودة النوم واضطرابه، مما يزيد من فرصة تذكر الأحلام المزعجة.
لكن هل يمكن أن يكون لما نأكله علاقة بما نراه أثناء النوم؟
يقول د. محمود رفعت رشوان، إن العلاقة بين الغذاء والكوابيس ليست علاقة مباشرة وبسيطة، فلا يمكن القول إن طعاما محددًا يسبب الكوابيس لدى الجميع، لكن بعض الأطعمة والعادات الغذائية قد تؤثر في جودة النوم ومن ثم قد تنعكس بصورة غير مباشرة على الأحلام.
عندما تبدأ الكوابيس من مائدة العشاء
وأوضح د. محمود رفعت رشوان أن تناول وجبة كبيرة أو دسمة قبل النوم قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى الشعور بالامتلاء وعسر الهضم أو ارتجاع محتويات المعدة وهو ما قد يجعل النوم أقل راحة وأكثر تقطعا.
وأضاف مدرس التغذية وعلوم الأطعمة أن اضطراب النوم قد يجعل الإنسان يستيقظ خلال مراحل يكون فيها نشاط الأحلام أكثر وضوحا وبالتالي قد يتذكر الحلم أو الكابوس بصورة أقوى.
ويؤكد د. محمود رفعت رشوان أن هناك فرقا مهما بين أن يكون الطعام سببا مباشرا للكوابيس وبين أن يؤثر الطعام في جودة النوم بطريقة قد تؤثر بدورها في تجربة الأحلام وتذكرها.
هل الأطعمة الحارة تصنع الكوابيس؟
تنتشر بين الناس مقولة إن تناول الأطعمة الحارة ليلا يؤدي إلى الكوابيس، لكن الحقيقة العلمية أكثر حذرًا من ذلك.
ويقول د. محمود رفعت رشوان إن الأطعمة الحارة قد تسبب لبعض الأشخاص حرقة أو ارتجاعًا أو شعورًا بعدم الراحة، خاصة عند تناولها بكميات كبيرة وقبل النوم مباشرة، وهذه الأعراض قد تؤثر في جودة النوم.
لكنه يشير إلى أنه لا توجد قاعدة علمية عامة يمكن من خلالها القول إن تناول الفلفل أو التوابل سيؤدي حتمًا إلى رؤية كابوس، فما يسبب اضطراب النوم لشخص قد لا يؤثر في شخص آخر على الإطلاق.
والحلويات؟ هل السكر له علاقة؟
من أكثر المعتقدات انتشارا أن تناول الحلويات قبل النوم يؤدي إلى الأحلام المزعجة.
وأوضح د. محمود رفعت رشوان، مدرس التغذية وعلوم الأطعمة بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس أن اختزال العلاقة في عبارة «السكر يسبب الكوابيس» أمر غير دقيق علميا، لأن تأثير الغذاء في النوم يعتمد على الكمية والتوقيت والنمط الغذائي العام، وليس على عنصر واحد فقط.
فالإفراط في تناول الطعام ليلا، وخاصة الوجبات الثقيلة والغنية بالسعرات، قد يجعل النوم أقل راحة لدى بعض الأشخاص، بينما قد لا يلاحظ آخرون أي تأثير واضح.
احذر القهوة ومشروبات الطاقة قبل النوم
وهنا يظهر عامل غذائي أكثر وضوحا وهو الكافيين الموجود في القهوة والشاي ومشروبات الطاقة وبعض المنتجات الأخرى.
ويشير د. محمود رفعت رشوان إلى أن تناول الكافيين في وقت متأخر من اليوم قد يؤثر في القدرة على النوم لدى بعض الأشخاص، خاصة الأشخاص الأكثر حساسية له.
وقد يؤدي اضطراب النوم إلى تغير نمط النوم وتكرار الاستيقاظ، الأمر الذي قد يجعل الأحلام أكثر وضوحًا أو يزيد من تذكرها عند الاستيقاظ.
لذلك، إذا لاحظ الشخص أن نومه أصبح مضطربا بعد تناول القهوة أو مشروبات الطاقة مساءً، فمن الأفضل أن يبدأ بتعديل توقيت تناول الكافيين بدلا من البحث عن طعام بعينه يمنع الكوابيس.
لكن.. هل الطعام هو المتهم الحقيقي؟
يؤكد د. محمود رفعت رشوان، مدرس التغذية وعلوم الأطعمة بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس، أن الطعام ليس المتهم الوحيد، وربما لا يكون المتهم الرئيسي أصلا.
فالكوابيس قد ترتبط بعوامل أخرى عديدة، منها التوتر والقلق، الضغوط النفسية، اضطراب مواعيد النوم، قلة النوم، بعض الأدوية، ارتفاع درجة حرارة الجسم وبعض اضطرابات النوم.
وهنا يجب ألا يضع الإنسان كل اللوم على وجبة العشاء، فقد يكون الطعام مجرد عامل صغير داخل مجموعة أكبر من العوامل التي تؤثر في النوم.
ماذا نأكل قبل النوم؟
وينصح د. محمود رفعت رشوان بتجنب الوجبات الضخمة والدسمة قبل النوم مباشرة، مع الانتباه إلى الأطعمة التي يلاحظ الشخص أنها تسبب له شخصيا الحموضة أو الانتفاخ أو اضطرابات الجهاز الهضمي.
كما ينصح بتقليل المشروبات والمنبهات التي تحتوي على الكافيين في المساء والحرص على تناول غذاء متوازن خلال اليوم، إلى جانب الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة قدر الإمكان.
ويضيف أن الهدف ليس البحث عن «طعام سحري» يمنع الكوابيس وإنما تحسين العادات التي تساعد الجسم والعقل على الحصول على نوم أكثر راحة وانتظامًا.
الكابوس قد يكون رسالة من الجسم
لا ينبغي التعامل مع الكوابيس على أنها نبوءات أو إشارات حتمية إلى أحداث مستقبلية.
ويقول د. محمود رفعت رشوان إن الحلم ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية وفسيولوجية وعصبية، ولذلك فإن تكرار الكوابيس قد يكون أحيانا مؤشرا على وجود مشكلة في جودة النوم أو مستوى التوتر أو بعض العادات اليومية التي تحتاج إلى مراجعة.
ومن هنا، إذا أصبحت الكوابيس متكررة بصورة مزعجة أو أثرت في جودة الحياة والنوم، فمن الأفضل البحث عن السبب الحقيقي بدلا من الاكتفاء بتغيير نوع الطعام.
وفي النهاية.. ربما لا يكون الطعام هو الذي «يصنع» الكابوس بشكل مباشر، لكنه قد يكون جزءا من القصة.
ويختتم د. محمود رفعت رشوان، مدرس التغذية وعلوم الأطعمة بكلية التربية النوعية جامعة عين شمس، حديثه قائلا: «قبل أن تسأل نفسك ماذا رأيت في حلمك، اسأل أيضا: ماذا أكلت؟ ومتى أكلت؟ وكيف كان نومي؟ وكيف كانت حالتي النفسية قبل أن أغلق عيني؟».
فالعلاقة بين الغذاء والنوم أكثر تعقيدا من مجرد قائمة أطعمة تسبب الكوابيس وما يحدث أثناء الليل قد يكون انعكاسًا لتفاعل مستمر بين ما نأكله، وكيف ننام وما نشعر به.
وفي النهاية.. قد تبدأ بعض الحكايات من العقل وقد يتدخل فيها الجسد، وربما تكون المائدة إحدى الحلقات الصغيرة في هذه الحكاية.