أكدت الدكتورة دينا جمال، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري والخبير التربوي، أن التربية الحقيقية لا تقتصر على تلبية احتياجات الأبناء أو فرض التعليمات عليهم، وإنما تتمثل في إعداد طفل يتمتع بالاتزان النفسي، والثقة بالنفس، والقدرة على تحمل المسؤولية والتعامل مع تحديات الحياة.
وقالت إن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل داخلها وعي الطفل وشخصيته، مشيرة إلى أن شعوره بالحب والأمان يمثل حجر الأساس في نموه النفسي السليم، موضحة أن الطفل يحتاج إلى أن يدرك أن محبة والديه له لا ترتبط بنجاحه أو طاعته، وإنما هي حب ثابت، بينما السلوكيات الخاطئة يمكن تعديلها بالحوار والتوجيه.
وأضافت أن وجود قواعد واضحة داخل الأسرة يمنح الطفل الشعور بالاستقرار، ويساعده على إدراك الحدود وتحمل نتائج تصرفاته، مؤكدة أن الالتزام بالقواعد يرسخ قيم الانضباط والاعتماد على النفس.
وأوضحت د. دينا جمال أن استخدام العنف اللفظي أو البدني في التربية قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه يترك آثارًا نفسية سلبية، بينما يعتمد الأسلوب التربوي السليم على التفاهم، وشرح أسباب الخطأ، وإشراك الطفل في إيجاد الحلول المناسبة.
وشددت على أهمية تشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم بحرية، والاستماع إليهم باهتمام قبل توجيه اللوم أو إصدار الأحكام، لأن ذلك يعزز ثقتهم بأنفسهم ويقوي العلاقة بينهم وبين والديهم.
كما حذرت من المقارنات بين الأبناء أو بينهم وبين أقرانهم، مؤكدة أن المقارنة تولد الإحباط وتضعف تقدير الذات، في حين أن تشجيع الطفل على تطوير مستواه الشخصي يمنحه دافعًا حقيقيًا للنجاح.
وأشارت إلى أن الخطأ يمثل فرصة للتعلم واكتساب الخبرة، لذلك يجب توجيه الطفل إلى كيفية تصحيح أخطائه بدلاً من إشعاره بالفشل أو العجز، بما يساعده على بناء شخصية قادرة على مواجهة المواقف المختلفة بثقة.
وأكدت أن القدوة العملية هي الوسيلة الأكثر تأثيرًا في التربية، موضحة أن الأطفال يكتسبون السلوكيات من تصرفات آبائهم أكثر مما يتعلمون من النصائح، ولذلك فإن الاحترام والهدوء والاعتذار عند الخطأ تعد رسائل تربوية عميقة الأثر.
وأضافت أن تكليف الطفل بمسؤوليات تناسب مرحلته العمرية، إلى جانب تخصيص وقت يومي للحوار واللعب والتفاعل معه بعيدًا عن الأجهزة الإلكترونية، يسهم في تنمية استقلاليته وتعزيز شعوره بقيمته داخل الأسرة.
واختتمت الدكتورة دينا جمال تصريحها بالتأكيد على أن نجاح التربية لا يقاس بمدى التزام الطفل بالأوامر، وإنما بقدرته على الشعور بالأمان والثقة في أسرته، قائلة: "الطفل الذي يجد الحب والاحتواء داخل منزله، سيكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة، واتخاذ القرارات الصحيحة، وبناء علاقات صحية مع الآخرين."
وأكدت أن الصحة النفسية ليست رفاهية، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان والأسرة والمجتمع، والاستثمار الحقيقي يبدأ من تربية الأبناء تربية واعية وسليمة.