إنتل تدعم شبكة مدن ذكية تجريبية في أمريكا
تضطر شابة رغما عنها لترك والدتها المقعدة في المنزل والذهاب سيرا على الأقدام إلى المكتبة العامة لمجرد استخدام الإنترنت لسداد فواتير الأسرة وعلى بعد بضعة شوارع، تقنن عائلة أخرى وقت استخدام الإنترنت وتعتمد كليا على باقة بيانات الهاتف المحمول الخاصة بابنها للاطلاع على تحديثات طبية حرجة، نظرا للارتفاع الباهظ لتكلفة النطاق العريض (Broadband) التقليدي.
وفي سوق المزارعين الأسبوعي المفتوح، يضطر أصحاب المشاريع الصغيرة مراراً لإعادة العملاء بسبب ضعف إشارات الخلوية التي تمنعهم من قبول الدفع بالبطاقات الائتمانية.
هذا هو الواقع اليومي في مدينة "بيلفلاور" وهي ضاحية يقطنها 75,000 نسمة وتقع على بُعد 25 دقيقة فقط خارج لوس أنجلوس ورغم قربها من ثاني أكبر مدينة في الولايات المتحدة، إلا أن المجتمع عانى طويلا من بقع خلوية عمياء وتكاليف اتصالات مرتفعة تركت الفئات الضعيفة من السكان خلف الركب.
اليوم، تسعى شبكة بلدية جديدة تُدعى "بيلفلاور كونيكت" (Bellflower Connect) إلى سد هذه الفجوة الرقمية. فمن خلال استخدام شبكة لاسلكية خاصة من خوادم دقيقة (Micro-servers) تعمل بالطاقة الشمسية ومزودة بمعالجات Intel® Xeon® ومدعومة بالأمن السيبراني القائم على الذكاء الاصطناعي عند الحافة.
تقدم هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص نموذجاً منخفض التكلفة واقتصادي الاستهلاك لشبكات النطاق العريض المجتمعية. ويخطط المنظمون لتوسيع هذا النموذج ليشمل 50 مدينة أمريكية أخرى يقل عدد سكانها عن 150,000 نسمة خلال السنوات القليلة المقبلة.
تقليص الروتين الحكومي
لإطلاق الشبكة، أعفت مدينة "بيلفلاور" المشروع من رسوم التصاريح القياسية، وسمحت ببناء أبراج الاستقبال على المباني العامة، وتجاوزت إجراءات طلبات العروض الطويلة والمطولة. وسهّل ذلك لشركة "تريد ويندز نتوركس" (Tradewinds Networks) — الشريكة في المشروع — الدخول في عقد طويل الأجل لتقاسم الإيرادات مع المدينة.
وتم تقسيم التمويل عبر اتفاقية بين القطاعين العام والخاص، باستخدام منحة نقل بلدية بقيمة مليون دولار إلى جانب مليوني دولار ضختها "تريد ويندز".
ويتضمن البرنامج أيضا شقا لتطوير القوى العاملة عبر تدريب الطلاب المحليين ليصبحوا فنيين معتمدين في النطاق العريض اللاسلكي وحصدت "تريد ويندز" جائزة (Mobile Breakthrough 2025) للأثر الاجتماعي، حيث صممت مشروع "بيلفلاور كونيكت" ليلبي أهداف التنمية المستدامة، مع مراعاة صحة المدينة، والتطوير الاقتصادي، والابتكار.
وقال كيث أليكسيس، المدير التكنولوجي ومؤسس شركة Tradewinds Networks: "يسمح لنا هذا النموذج بتجميع الخدمات وتقديمها مع جعل الشبكة ذاتية الاستدامة، نقوم بعد ذلك بمشاركة الإيرادات مع المجتمع، مما يمكننا من الحفاظ على بيئة مستدامة تحفز الولاء والاستخدام بالإضافة إلى ذلك، يعمل حلنا الأمني القائم على الذكاء الاصطناعي GuardTower على معالجات Xeon للحفاظ على أمان النظام".
نقل القوة الحوسبية إلى "الحافة":
يكمن السر في خفض التكاليف على المستخدمين في طريقة معالجة البيانات؛ فالشبكات اللاسلكية التقليدية تعتمد على إرسال البيانات ذهابا وإيابا إلى مراكز بيانات سحابية عملاقة وبعيدة مليئة بمعالجات رسومية مكلفة ومستهلكة للطاقة وتتطلب هذه الرحلة بنية تحتية ثقيلة وطاقة كهربائية هائلة، وهي تكاليف تمررها شركات الاتصالات الكبرى إلى المستهلكين.
أما شبكة "بيلفلاور كونيكت" فتتجاوز السحابة تماما؛ حيث تعتمد على أسطول يضم 80 برجا شمسيا نحيفا وأجهزة تقوية إشارة موزعة في أنحاء المدينة ويرتبط كل برج بمواقع مركزية تحتوي على خوادم مدمجة من سلسلة Dell PowerEdge XR8000 تعمل بمعالجات 4th Gen Intel Xeon. يتيح ذلك معالجة البيانات مباشرة داخل المدينة وفي بعض الحالات عند منعطفات الشوارع، وهو المفهوم التقني المعروف باسم "حوسبة الحافة" (Edge Computing).
وبما أن معالجات Xeon قابلة للتطوير ومتعددة الاستخدامات، فإنها "تندمج" بسهولة في هذه الأبراج خفيفة الوزن وتعمل بجزء بسيط من التكلفة والطاقة والمساحة التي تطلبها البنية السحابية القياسية.
وعلق فيجاي كيسافان، كبير المهندسين في مجموعة الشبكات والحافة لدى "إنتل" قائلاً: "عبر وضع معالجات النظام على الشريحة (SoC) من عائلة Intel Xeon مباشرة في الأبراج أو منشآت المدينة بدلا من إرسال المعلومات عبر السحابة، يصبح النظام قابلاً للتطوير ومجزأً وتُعالج المعلومات بشكل أسرع وبتكلفة أقل وطاقة أدنى".
كما تؤسس هذه البنية التحتية المحلية لقاعدة رقمية لتحديثات بلدية مستقبلية. ووفقاً لـ "كيسافان"، يمكن للمدن بسهولة دمج خدمات جديدة في بنية Xeon التحتية الحالية، مثل الإضاءة الذكية للشوارع، أو مستشعرات جودة الهواء وحركة المرور، وأنظمة الكشف عن تسريبات المياه.
تكنولوجيا متطورة بتكلفة زهيدة
بينما يعد الاتصال بالشبكة اختيارياً بالكامل، فإن الأثر المالي على السكان الذين استخدموها كان فورياً؛ إذ تتلقى الأسر المؤهلة ذات الدخل المنخفض خدمة إنترنت مجانية عبر مودم منزلي يتصل لاسلكياً بأقرب برج في الحي ويمكن للسكان الآخرين الاشتراك مقابل 15 دولاراً شهرياً، في حين يمكن للشركات المحلية الوصول إلى الشبكة مقابل 39 دولاراً شهرياً وهو ما يقل بكثير عن أسعار شركات الاتصالات التجارية التقليدية بحسب "أليكسيس".
وحتى مايو 2026، تستخدم نحو 60 عائلة الخدمة في مرحلتها التجريبية الأولى. وبحلول موعد اكتمال البناء في منتصف عام 2027، يتوقع المنظمون ربط 10,000 عائلة بالشبكة، إلى جانب تغطية المتنزهات المحلية والمكتبات والأسواق المفتوحة بشبكة واي فاي مجانية.
وبدأ أصحاب الشركات المحلية بالفعل في الاستعداد لهذا الانتقال، ومنهم جو أونج، مالك مقهى Cassidy’s Corner Café، الذي يفتح فرعا جديدا في بيلفلاور سيعتمد على الشبكة لإدارة عملياته وتوفير الواي فاي للعملاء وصرح قائلاً: "توفير إنترنت سهل وبسعر معقول ومتاح للجميع هو مكسب للجميع. في كثير من الأحيان لا يرى الناس النفقات اليومية لإدارة مشروع صغير، وأي مكان يمكنك التوفير فيه يمثل فائدة ضخمة".
تعميم النموذج:
بدأ التوسع خارج كاليفورنيا بالفعل؛ إذ من المقرر أن تبدأ مدينة "رايتسفيل" بأركنساس المرحلة الأولى من تركيب شبكتها هذا الصيف، مع وجود ثماني مدن أمريكية أخرى تمر حالياً بمراحل مراجعة التصاميم والموافقات.
ورغم التحديات اللوجستية وتأخر توريد الألياف الضوئية، يؤكد قادة المشروع أن ردود فعل السكان وتأكيدهم على تغير حياتهم للأفضل في اجتماعات مجلس المدينة تجعل مواجهة هذه التحديات المعقدة أمراً يستحق العناء.

















