خالد رغدان إختصاصي نفسي يفكك البنية المعرفية لاضطراب الوسواس القهري

أوضح خالد رغدان إختصاصي نفسي، أن اضطراب الوسواس القهري (OCD) يأتي في مقدمة الاضطرابات النفسية التي تشوبها الكثير من المفاهيم المغلوطة في الأوساط الاجتماعية، مؤكدا أن الاضطراب يختزل سطحيا في سلوكيات مثل حب النظافة الزائدة أو الدقة والتنظيم المفرط، مشيرا إلى أن الرؤية العلمية السلوكية والطبية تبين أننا أمام اضطراب نفسي وعصبي معقد يستنزف طاقة الفرد ويقيد نمطه الحياتي اليومي، مما يتطلب تفكيكا علميا وبنيويا لفهم طبيعته المعرفية وآليات التعامل معه.
وفي سياق تحليله للاضطراب، ذكر خالد رغدان إختصاصي نفسي أن الوسواس القهري ينقسم من المنظور العلمي السيكولوجي إلى شقين متلازمين يمثلان حلقة مفرغة من المعاناة الذهنية؛ حيث يتمثل الشق الأول في "الوساوس" (Obsessions) وهي أفكار، أو صور، أو اندفاعات ذهنية متكررة وملحة تقتحم وعي الإنسان رغما عنه ولا تمثل قلقا طبيعيا، بل هي أفكار غير عقلانية تسبب ضيقا ومعاناة نفسية بالغة كالشعور بالخوف الشديد من التلوث أو الشك الإلحاحي.
وأضاف خالد رغدان: بينما يتمثل الشق الثاني في "الأفعال القهرية" (Compulsions) وهي السلوكيات التكرارية كغسل اليدين المستمر والتحقق المتكرر، أو الأعمال العقلية كالعد وتكرار الكلمات والتي يشعر الفرد بأنه مدفوع للقيام بها استجابة للوسواس لخفض حدة التوتر المؤقت.
ومن الناحية البيولوجية العصبية، لفت الانتباه إلى أن الأبحاث الطبية التخصصية تشير إلى وجود ارتباط وثيق بين هذا الاضطراب وخلل في تنظيم النواقل العصبية بالدماغ وتحديدا مادة "السيروتونين"، بالإضافة إلى وجود نشاط غير منتظم في الدوائر العصبية التي تربط بين القشرة الجبهية الأمامية والعقد القاعدية، مضيفا أن هذا الخلل العضوي يجعل الدماغ يرسل إشارات خطر خاطئة ومستمرة، مما يجبر الوعي على محاولة إطفاء هذا الإنذار الكاذب عبر السلوك القهري.
خالد رغدان يوضح المقاربة العلاجية الحديثة
وحول إستراتيجيات التعامل العيادي، أكد خالد رغدان إختصاصي نفسي أن الرأي العلمي المستقر في الممارسات النفسية الحديثة يرى أن الاعتماد على الإرادة المنفردة أو محاولة "قمع الأفكار" لا يساهم في حل المشكلة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من وطأة الوسواس.
وبين أن الحل العلمي يكمن في تطبيق مسارات علاجية مدروسة ومثبتة بالدليل وعلى رأسها العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وتحديدا تقنية "التعرض ومنع الاستجابة" (ERP) والتي تصنف عالمياً كمعيار ذهبي للعلاج وتقوم على وضع الفرد بشكل تدريجي ومدروس في مواجهة المثير المسبب للوسواس مع تدريبه على الامتناع عن الفعل القهري، لينخفض القلق تدريجيا وبشكل طبيعي من خلال آلية "التعود".
كما استعرض خالد رغدان مسار التدخل الدوائي، موضحا أنه يعتمد عليه في الحالات المتوسطة إلى الشديدة من خلال التكامل بين العلاج السلوكي والعقاقير الطبية (مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية) لإعادة التوازن الكيميائي إلى الدماغ، مما يقلل من حدة الأفكار الإلحاحية ويجعل الفرد أكثر قدرة على الاستجابة للتأهيل السلوكي والمعرفي.
خالد رغدان يشدد على مواجهة الوصمة الاجتماعية
وشدد خالد رغدان إختصاصي نفسي، على أن كسر حاجز "الوصمة الاجتماعية" المحيطة باضطراب الوسواس القهري يمثل نصف رحلة التعافي؛ حيث يحتاج المجتمع إلى إدراك أن الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب يدركون تماما في كثير من الأحيان أن أفكارهم وسلوكياتهم غير منطقية، لكنهم لا يملكون القدرة العضوية على إيقافها دون مساعدة تخصصية.
ودعا خالد رغدان إلى ضرورة فهم هذا الاضطراب من منظور علمي بحت، بعيدا عن التفسيرات الغيبية أو الأحكام الأخلاقية الجاهزة، لكونه الخطوة الأولى لتمكين الأفراد من استعادة توازنهم السلوكي والمعرفي والوصول إلى السلام الداخلي والاستقرار النفسي المستدام.

