أكد الأخصائي النفسي ومختص علاج الإدمان، خالد رغدان، أن الصحة النفسية تمثل الركيزة الأساسية للحياة المتوازنة وليست مجرد رفاهية أو غيابا ظاهريا للاضطرابات النفسية وفي مقال موسع نشره بالتزامن مع "اليوم العالمي للصحة النفسية" الموافق للعاشر من أكتوبر، شدد رغدان على ضرورة مواجهة الحقيقة المسكوت عنها في المجتمعات العربية، والالتفات إلى آلاف الأشخاص الذين يخوضون معارك داخلية ضارية وصامتة، يمارسون خلالها حياتهم اليومية ويبتسمون في وجوه الآخرين، بينما يلتهمهم الإرهاق النفسي والعاطفي من الداخل.
وأوضح رغدان أن هناك قطاعا واسعا من الأفراد يستيقظون يوميا لأداء واجباتهم الوظيفية والأسرية ويجيبون عن تساؤلات المحيطين بعبارات عابرة مثل "أنا بخير"، في حين يعودون في نهاية المطاف منهكين من صراع نفسي لم يجرؤوا على كشفه لأحد، مشيرا إلى أن المشكلة لا تكمن دائماً في ألم الإنسان بذاته، بل في طريقة تعاطي المجتمع مع هذا الألم، حيث تسود أحيانا نظرة اختزالية تنظر إلى المعاناة النفسية باعتبارها ضعفاً في الشخصية، أو قصورا في الإيمان، أو مبالغة في الحساسية وهو ما يضاعف من معاناة المريض ويدفعه لإخفاء مشاعره والتظاهر بالتماسك حتى يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل.
وفي معرض حديثه عن الآليات الميدانية والتوعوية المطلوبة، حدد الأخصائي النفسي خالد رغدان خمسة محاور رئيسية لإعادة تشكيل الثقافة المجتمعية حول الصحة النفسية:
أولا: تعلم الإصغاء دون إصدار أحكام
دعا رغدان إلى ضرورة تغيير طريقة التعاطي مع الشخص الذي يعبر عن تعبه النفسي، مشددا على أهمية تجنب مقارنة معاناته بالآخرين أو توجيه نصائح وقوالب جاهزة عن الصبر والشجاعة، مؤكدا أن المطلوب هو الاستماع الواعي والاعتراف بمشاعره وتقديم الدعم الممكن دون تحميله أعباء إضافية.
ثانيا: التوقف عن تمجيد الاستنزاف الذاتي
حذر الأخصائي النفسي من الخطاب الذي يرفع من قيمة التحمل المفرط على حساب صحة الإنسان، مؤكدا أن الصبر ليس فضيلة إذا كان ثمنه تدمير الذات من الداخل، موضحا أن وضع الحدود الصحية في العلاقات والتوقف عن السعي المجهد لإرضاء الجميع وطلب الراحة عند الشعور بالإنهاك، هي مهارات جودة حياة أساسية وليست علامات ضعف.
ثالثا: حماية الصحة النفسية للأطفال والمراهقين
شدد خالد رغدان على أن بناء السلام النفسي يبدأ منذ المراحل العمرية المبكرة، داعيا الآباء والمربين إلى إعادة النظر في التعامل مع سلوكيات الأطفال والمراهقين، مؤكدا أن الطفل الخائف يحتاج إلى الأمان لا السخرية، والمراهق المنعزل يحتاج إلى الفهم والاحتواء بدلا من اختزال أزمته في اتهامات "قلة الأدب" أو "سوء التربية".
رابعا: تطبيع طلب الاستشارة النفسية وإزالة الوصمة
أوضح رغدان أن اللجوء إلى أخصائي نفسي مؤهل أو طبيب مختص عند استمرار الأعراض أو تعطيلها لمناحي الحياة اليومية هو قرار مسؤول وواعي، لافتا إلى أن العلاج النفسي عمل مهني منظم يساعد الفرد على فهم أنماطه الفكرية والسلوكية، مؤكدا أنه يتكامل مع الممارسات الروحية والدعم الأسري ولا يتعارض معها بأي حال.
خامسا: الاعتراف بتأثير الظروف البيئية والاجتماعية
نبه خالد رغدان إلى أن الصحة النفسية لا تنفصل عن الواقع المحيط، مشيرا إلى أن الحروب، النزوح، الفقر وضغوط العمل والأسرة تترك آثارا مباشرة على توازن الإنسان، مؤكدا أن حماية الصحة النفسية هي مسؤولية مشتركة بين الأفراد، الأسر، المؤسسات التعليمية، أصحاب العمل وصناع القرار لتوفير بيئات عمل وتعليم إنسانية وخدمات نفسية ميسرة.
واختتم الأخصائي النفسي خالد رغدان بالتأكيد على أن "المجتمع السليم نفسيا ليس مجتمعا خالية حياة أفراده من الحزن، بل هو المجتمع الذي لا يترك أبناءه وحدهم عندما يحزنون"، داعيا إلى جعل اليوم العالمي للصحة النفسية محطة حقيقية للانتقال من رفع الشعارات إلى بناء بيئة احتوائية تمنح الإنسان الحق في أن يتعب دون أن يُهان وأن يطلب المساعدة دون أن يخشى فقدان كرامته.